خطبة بعد حربة

ط£طھط±ظƒ طھط¹ظ„ظٹظ‚ط§




قال الشاعر :
أبعد الوغى فينا تغوص على ابنتي # لسَرعانَ هاذا والدماء تصبّبا
وسببه أنّه كان في قديم الزمان ملك يقال له هيّان بن بيّان ذو أخلاق ذميمة وسيطرة عميمة. ولمّا حارب بلدة حيرة علاه الرعب والقشعريرة, فما قتل من الأعداء غير أميرهم فهرب مع الجيش بِعيرهم. ولم يزل في هذا الحال إلى أن زان ليله هلال, فرأى أنّ بِحيرة امرأة في كمال فائق فاقت بجمالها الخلائق, فرغب في نكاحها وغزَلها ومزاحها. فسرى إلى حيرة في ثوب فاخر وبيده مهر كالبحر الزاخر. ولمّا وصل إلى المقصد خطب المرأة واجتهد, فقال له الوليّ "بئسما أحضرك يا غويّ!" وأنشد :
أبعد الوغى فينا تغوص على ابنتي # لسَرعانَ هاذا والدماء تصبّبا
فأرجع الملك فأرجعه فركب الفرس فما أسرعه.
            من هذا الشعر نأخذ عِبرة ولا للقصّة نجود بعَبرة, فقد حوى البلاغة والأدب وغيرهما ممّا امتاز به العرب, نجود لكم بذكر البعض فاقرؤوا يا أهل الأرض :
1.       الاستفهام في قوله "أبعد الوغى" للتحقير. قال الأحضري :
..............................# ولفظ الاستفهام ربّما عبر
لأمر استبطاء أو تقرير # تعجّب تهكّم تحقير
وإنّما قدّمه على متعلِّقه ( تغوص ) لأنّه محطّ الإنكار والتعجّب ( انظر البلاغة 160 ).
والوغى هو الحرب.
2.       وفي قوله "فينا تغوص على ابنتي" متعلِّقا "تغوص" مقدَّم عليه ومتأخّر عنه؛ فإنّ لفظة "فينا" مقدَّمة على المتعلَّق لاستقامة الوزن.
وفيها ( لفظة "فينا" ) أيضاً إيجاز حذف حيث حذف المضاف, والأصل "في بحرنا" أو "في قومنا".
ثمّ إذا أمعنّا النظر إلى هذه الجملة ومعمولاتها نرى أنّ في "ابنتي" استعارة مكنيّة؛ فقد شبّه "ابنة" بـ"لؤلؤ" مضمراً لكن المذكور هو المشبّه ( ابنة ) نعلمه من خلال قوله "تغوص"؛ فإنّه لازم المشبّه به لأنّ الإنسان لا يغوص غالباً إلا لطلب اللآلئ لا لخطبة المرأة. قال في الجوهر المكنون :
وحيث تشبيه بنفسٍ اضمرا # وما سوى مشبّه لم يذكرا
ودلّ لازم لما شبّه بهْ # فذلك التشبيه عند المنتبهْ
3.       وقوله "لسَرعانَ هذا" جملة اعتراضيّة والغرض من إتيانه بها هو التنبيه على حمقه, وهو من أنواع الإطناب. قال السيوطي :
..............................# ..................ومنه الاعتراض
بجلة أو فوق ما لها محلْ # بين كلامٍ او كلامين اتّصل
لنكتة تُقصد كالتنزيه # لأدفع الإيهام كالتنبيه
قال الزبيديّ في لفظ سرعان ما نصّه "وسرعان : يستعمل خبراً محضاً, وخبراً فيه معنى التعجّب. ومنه قولهم ك لسرعانَ ما صنعت كذا, أي ما أسرع ( تاج العروس 11/205 ).
وجملة "والدماء تصبّبا" حال لضمير مستتر في "تغوص" ربطها به واو الحال لأنّها ليس بفعل مضارع. قال ابن مالك :
وجملة الحال سوى ما قُدّما # بواوٍ او بمضمرٍ أو بهما
و"تصبّب" بمعنى "صبّ ــِـ" و"انصبّ" و"اصطبّ" فإنّها لازمة, و"صبّ ــُـ" متعدًّ أي أخذ الماء لغيره بخلاف "اصطبّ" فإنّه قد يكون متعدّيا بمعنى أخذ الماء لنفسه وقد يكون مطاوعا لـ"صبّ" ( انظر شرح القاموس 2/135 ).
و"الدماء" جمع "دم", واختلفو في أصلها ( الدم ) على ثلاثة أقوال :
                                I.            دَمَيٌ واستدلّوا على هذا بقول الشاعر:
ولو أنّ على حجر ذبحنا # جرى الدَمَيَانِ بالخبر اليقينِ
وهذا ما اختاره الفيروزآبادي.
                              II.            دَمَوٌ إنّما قالوا دَمِيَ ــَـ لكسرة على ميم ماضيه.
                            III.            دَمْيٌ على وزن "فَعْل" لأنّه جُمع على "دِماء" قياساً و"دُمَيٌّ" شذوذاً كما جمع "ظبْي" على "ظِباء" و"ظبيّ" و"الدلو" على "دِلاء" و"دليّ" ( انظر تاج العروس 19/414 ).
هذا مما كشف الله عن علمه الغطاء فسامحنّ ما بدا فيه من الأخطاء أهـ . هذا رأيي ونقدي فاستفتوا أحداً بعدي.

0 komentar:

إرسال تعليق